عمق المعاناة.. غلاء الأسعار يخنق “أصحاب البرويطة” في أسواق الدريوش

في مشهد يتكرر كل أسبوع وسط أسواق الدريوش، تقف العشرات من العربات اليدوية المعروفة محليا بـ”البرويطة”، في انتظار زبائن يحملون معهم الأثقال، ويتركون وراءهم الكثير من القصص الإنسانية التي لا تُروى، إلا حين تسيل دموع الكادحين من أصحابها. هؤلاء الرجال، كبارا وصغارا، لا يحملون فقط صناديق الخضر والفواكه، بل يجرّون معهم ثقل العوز، ووجع الغلاء، وضيق ذات اليد.

ممتهنو “البرويطة” في أسواق الدريوش

يقضي ممتهنو “البرويطة” يومهم في الجري بين الزبائن، بينما يتفاقم وجعهم في صمت، وهم يصارعون غلاء المعيشة، وتجاهل الجهات المسؤولة.

“أحد ممتهني هذه المهنة قال لنا: “نشاهد فقط.. لا نشتري”، بهذه العبارة لخص واقع يومه في السوق. يعمل طيلة النهار مقابل دريهمات معدودة، لا تكفي حتى لشراء ما يسد الرمق. يضيف قائلا: “نعود إلى بيوتنا خاويي الوفاض، لا سمك ولا خبز ولا حتى حبة خضار… فقط أجسادنا المنهكة من جرّ العربات.”

مهنته متجذرة في ذاكرة الأسواق الشعبية، لكنها اليوم أصبحت مرادفا للفقر والتهميش، فلا تنظيم، ولا دعم، ولا حتى احترام لكرامة من يقضون يومهم تحت الشمس وبين الأرجل، حاملين بضائع الناس دون أن يحمل أحد همّهم.

أجر زهيد في سوق ملتهب

في أحسن الأحوال، يحصل ممتهن “البرويطة” على 10 دراهم لنقل الحمولة، بينما الأجر المعتاد لا يتجاوز غالبا 3 إلى 5 دراهم، وهو ما لا يفي بأي من تكاليف العيش اليومية، من تنقل وطعام، ناهيك عن توفير لقمة لأولاده أو علاج لزوجته، أو مصاريف تمدرس لأطفاله.

لدى البعض، لم يكن “جر البرويطة” خيارا مهنيا، بل اضطرارا فرضه الفقر، بعد انسداد كل الأبواب في وجوههم، لا تشغيل، ولا تكوين، ولا فرص بديلة. شباب في عمر الزهور، وآباء تجاوزوا سن الكهولة، يلتقون في نقطة واحدة: “الركض وراء لقمة عيش شريفة وسط سوق لا يرحم”.

يقول أحدهم: “أحمل صناديق البطاطس والطماطم، وأعود آخر النهار بكيلو واحد فقط.. أحيانا أختار أقل سعر وأقل جودة.. المهم مانرجعش للدار صفر اليدين.”

ورغم الدور الذي يلعبه هؤلاء في تسهيل عملية التسوق داخل الأسواق، إلا أنهم يظلون خارج أي منظومة تنظيمية، بلا بطاقات مهنية، بلا تأمين صحي أو تقاعد، دون تغطية اجتماعية أو دعم موسمي، وكأنهم غير موجودين على خارطة الاهتمام الرسمي.

ومع كل موجة غلاء جديدة، تزداد معاناتهم. فالأسعار ترتفع، والزبائن يتقلصون، والمنافسة تشتد، بينما يبقى الأجر ذاته، لا يواكب لا التعب ولا الأسعار.

في ظل الارتفاع الصاروخي في أسعار المواد الغذائية، يقول بعض أصحاب “البرويطة” إنهم باتوا مستبعدين من السوق الذي يعملون فيه. كيف لا، وهم بالكاد يشترون ما يسد رمقهم من حبات خضر أو بقايا أسماك زهيدة الثمن.

يقول أحدهم، والدمعة تسبق صوته: “نشتغل من السابعة صباحا إلى السادسة مساء، مقابل 30 أو 40 درهما.. بالكاد نشتري رغيفا وبعض الخضروات”.

الواقع أن ممتهني “البرويطة” ليسوا مجرد ناقلي سلع في السوق، بل هم جنود يوميون في معركة الكرامة والمعيشة، يشتغلون تحت أقسى الظروف، دون سند أو صوت. وإن كانت الحكومات تتحدث عن الإدماج الاجتماعي، فهؤلاء أولى من يشملهم الدعم والاهتمام.

في زمن الغلاء واللامساواة، لا تزال “البرويطة” رمزا لفئة مسحوقة، منسية، تناضل يوميا في صمت. وبين عربة محمّلة بالخضر، وجيب فارغ من النقود، يقف ممتهن العجلة اليدوية أمام واقع لم يختره، لكنه يتعايش معه بكرامة لا يعرفها إلا من ذاق الجوع ولم يمد يده.

مقالات ذات صلة

اكثر المقالات قراءة

تابعنا على الفيسبوك