من قلب مدينة الناظور، وبحضور نخبة من المفكرين والمثقفين والقانونيين من مختلف أنحاء العالم، وُلد “إعلان الناظور للسلام والعدالة الانتقالية” كوثيقة إنسانية عابرة للحدود، تُق دّم رؤية مشتركة لبناء عالم أكثر عدلا، في سياق دولي يزداد هشاشة واضطرابا، وعلى وقع المآسي التي تعيشها غزة جراء ما وصفه الإعلان بـ”حرب الإبادة”.

الإعلان الذي جرى تقديمه خلال اليوم الثاني من الدورة الرابعة عشرة لمهرجان السينما والذاكرة المشتركة هو خلاصة تفكير جماعي يزاوج بين التجارب المقارنة والقيم الإنسانية الكبرى، ويؤكّد أنّ العدالة الانتقالية ليست مجرد آلية قانونية، وإنما هي مدخل استراتيجي لترسيخ السلم الأهلي وإعادة بناء الثقة بين الأفراد والدول.

وأكد الإعلان، الذي كشف تفاصيله عبد السلام بوطيب، رئيس مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم، أنّ تجارب أوروبا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا أثبتت أنّ العدالة الانتقالية من أنجع المسارات نحو تحويل الأزمات العميقة إلى فرص للمصالحة والتنمية، رغم ما يرافقها من تحديات هائلة.

وشدّد بوطيب، في كلمة له، على أن الثقة هي كلمة السر في نجاح أي تجربة انتقالية، وتكون هذه الثقة بين المواطن والدولة، وبين مكونات المجتمع، وبين البلدان والمجتمع الدولي.

ويشير الإعلان إلى أن الطريق نحو السلام “غير معبّد”، وأن بناء مجتمعات السلم يتطلب تضامنا دوليا فعّالا، ورسوخا لقيم المواطنة القائمة على المساواة والكرامة والحرية، مع إشراك المواطنين في اتخاذ القرار وفتح أفق التنمية المستدامة أمام الجميع.

وتعتبِر الوثيقة أن المصالحة السياسية والاجتماعية هي الحجر الأساس للعدالة الانتقالية، وتؤكد أنه لا يمكن استنساخ تجربة دولة وفرضها على أخرى، رغم وجود قواسم مشتركة مثل كشف الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات.

كما يولي الإعلان اهتماما خاصا للنساء باعتبارهن من الفئات الأكثر تعرضا للانتهاكات، داعيا إلى اعتراف كامل بما عانينه وإشراكهن في كل مسارات الإصلاح والمصالحة.

ويشدّد كذلك على ضرورة معالجة الانتهاكات المرتبطة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما يتجاوز المقاربات التقليدية التي تركّز غالبا على الحقوق المدنية والسياسية فقط.

وماتزال فعاليات الدورة الرابعة عشرة للمهرجان الدولي للسينما والذاكرة المشتركة مستمرة في مدينة الناظور، والتي تُنظّم هذه السنة تحت شعار “ذاكرة السلام”، تزامنا مع الاحتفال بالذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء. وجاءت هذه الدورة بروح “الوفاء للوفاء”؛ إذ خصص المهرجان تكريما لأسماء تركت بصمة في الثقافة والإبداع.



