شهدت أسواق السمك في إقليم الدريوش، خلال الأيام الأخيرة، موجة غلاء غير مسبوقة في أسعار السردين، حيث تجاوز سعر الصندوق الواحد 450 درهماً، ما أثار حالة من الاستياء الواسع بين المواطنين.
هذا الارتفاع الحاد يأتي في وقت يشهد فيه المغرب موجات غلاء متكررة تطال مختلف المواد الاستهلاكية الأساسية، ما جعل القدرة الشرائية للمواطن تنهار تدريجياً.
رغم أن السردين لطالما اعتُبر غذاءً يوميًا وبسيطًا لمعظم الأسر المغربية، خصوصًا ذات الدخل المحدود، إلا أنه اليوم أصبح خارج متناول شريحة واسعة من السكان، وهو ما يعكس حجم الاختلالات التي تطال سوق السمك وقطاع التوزيع بصفة عامة.
سوق السمك في الدريوش.. بين فوضى الأسعار وغياب المراقبة
في أسواق الدريوش، لا حديث هذه الأيام سوى عن سعر السردين. فبعدما كان يُعرض بأسعار معقولة لا تتجاوز 10 دراهم للكيلوغرام الواحد، أصبح ثمنه يصل إلى 25 درهمًا، وأحيانًا أكثر.
المواطنون عبّروا عن غضبهم من هذا الوضع، معتبرين أن ما يحدث “عبث غير مقبول”، خاصة وأن الإقليم قريب من مناطق الصيد الساحلي ولا يعاني من ندرة في المنتوج.
تصريحات مواطنين محليين أكدت أن “السردين خرج من خانة الأغذية الشعبية، وأصبح يُباع بسعر اللحوم”، متسائلين عن أسباب هذا الانفلات، ومتهمين المضاربين والوسطاء بالتحكم في الأسعار دون حسيب أو رقيب.
عدد من المهنيين في قطاع الصيد البحري، من داخل إقليم الدريوش، أشاروا إلى أن سبب هذا الارتفاع يعود إلى خلل عميق في سلاسل التوزيع، حيث يلعب الوسطاء والمضاربون دوراً حاسماً في رفع الأسعار قبل أن تصل إلى المستهلك.
وقال أحد بائعي السمك في سوق الدريوش: “المشكل يبدأ من الميناء، عندما يتدخل السماسرة ويشترون الكميات بالجملة، ثم يعيدون بيعها بأسعار مبالغ فيها.. نحن مجرد حلقة وسطى لا نملك خيار التسعير.”
في ظل هذه الفوضى، يطالب العديد من المهنيين والنقابيين بإصلاح شامل لسوق السمك، مع ضرورة فرض رقابة صارمة على عملية التسويق من لحظة تفريغ السمك إلى وصوله للمستهلك. كما دعت فعاليات محلية إلى تعزيز دعم الصيادين، خاصة خلال الفترات التي يُمنع فيها الصيد لأسباب بيولوجية، وذلك لتفادي تقليص العرض وارتفاع الأسعار بشكل غير منطقي.
الأزمة الحالية في أسعار السردين ليست حدثاً معزولاً، بل تندرج ضمن سياق اقتصادي أوسع يشهد ارتفاعاً عاماً في أسعار عدد من السلع، من اللحوم إلى الخضروات والفواكه، والآن إلى الأسماك. هذا الوضع جعل شريحة واسعة من سكان الدريوش تلجأ إلى تقليص نفقاتها الغذائية، أو التخلي نهائياً عن أصناف كانت تُعد ضرورية في حياتها اليومية.
يقول أحد المواطنين: “كنا نشتري السردين مرتين في الأسبوع، الآن لا يمكننا حتى التفكير فيه. لم يعد غذاء الفقراء، بل أصبح من الكماليات.”
عادت جمعيات حماية المستهلك بالدريوش إلى واجهة النقاش، حيث طالبت بضرورة تدخل السلطات المحلية والمجالس المنتخبة لفرض رقابة صارمة على أسعار المواد الاستهلاكية، وعلى رأسها السمك. وانتقدت هذه الجمعيات ما وصفته بـ”الصمت الرسمي والتقاعس الإداري”، الذي يُشجع المضاربين ويمنحهم سلطة غير مشروعة للتحكم في السوق.
من جهة أخرى، نبّه بعض الخبراء والمهنيين إلى أن الأزمة لا ترتبط فقط بجشع الوسطاء، بل أيضًا بعوامل بيئية ومناخية، مثل ارتفاع درجات الحرارة، أو التغيرات الموسمية التي تؤثر على حركة السمك، إلى جانب الاستغلال المفرط لمصايد السردين، ما يؤدي إلى تناقص المخزون السمكي سنة بعد أخرى.

