في قلب أسواق الدريوش الأسبوعية، تقف خيام “القيطون” كأعمدة شاهدة على زمنٍ كان فيه السوق أكثر من مكان للبيع والشراء؛ كان فضاءً للصلات الإنسانية، ومسرحًا يوميًّا لطقوس الحياة الريفية. تلك الخيام المتواضعة، برائحتها الزكية المتسلّلة من قدر الحمص ودخان الشواء، تختزن تاريخاً من الذكريات، وتهمس بما تبقّى من مجد الأسواق التقليدية.
القيطون، كما يسميه أبناء الدريوش، ليس مجرد خيمة تُعد فيها أطباق “الكرعين” و”القطبان” و”اللوبيا”، بل هو إرث، مهنة، ونبض مجتمع. جلسات على مقاعد بلاستيكية متواضعة، وحكايات تُروى على إيقاع الملاعق، وقرارات كبرى تُتخذ بين قضمات خبز وشربات شاي… كل هذا كان يحدث هناك، تحت القماش البالي، في خيمة قد لا تُلفت النظر، لكنها تختزل روح السوق وأصالته.
لكن المشهد اليوم تغيّر، أو بالأحرى تآكل. فالقيطون في أسواق إقليم الدريوش يُصارع من أجل البقاء. التحديات تحاصره من كل صوب: غياب البنية التحتية، لا ماء، لا كهرباء، لا مراحيض تحفظ كرامة الزبائن والعاملين، ولا نظافة تحمي صحة الجميع. كأن هذا الفضاء العريق تُرك وحيداً ليذبل، شيئاً فشيئاً، وسط لامبالاة صادمة.

