الأمهات العازبات في الريف… حكايات من الظل تخرج إلى العلن

في شوارع الناظور وبني انصار وأحيائها الشعبية، بدأت قصة مسكوت عنها لسنوات طويلة تخرج إلى النور. إنها ظاهرة الأمهات العازبات في الريف، التي كانت حبيسة الجدران المغلقة، قبل أن تفرض نفسها على النقاش العام في السنوات الأخيرة، مع تزايد الحالات وتغيّر الظروف الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة.

جذور هذه الظاهرة تعود إلى فترة التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، حين كان التهريب المعيشي عبر المعبر الحدودي لمليلية مصدر رزق لآلاف العائلات. مئات النساء كنّ يعبرن يومياً، يحملن البضائع على ظهورهن لساعات، في ظروف قاسية، فقط لتأمين قوت أسرهن. في هذه البيئة الحدودية الهشة، حيث يختلط العمل بالإرهاق، وتتقاطع الثقافات والقوانين، وجدت بعض النساء أنفسهن في علاقات عاطفية غير مؤطرة بالزواج الشرعي، انتهت بإنجاب أطفال خارج مؤسسة الأسرة.

لسنوات طويلة، ظلت هذه القصص مخفية بعناية داخل الأسر، أو يتم التعامل معها بصمت شديد تجنباً للفضيحة أو الوصم الاجتماعي. لكن نقطة التحول كانت في سنة 2020، مع إغلاق المعبر الحدودي بسبب الجائحة، وهو القرار الذي لم يوقف فقط نشاط التهريب المعيشي، بل كشف أيضاً عن تراكم مشاكل اجتماعية ظلت بعيدة عن الأضواء. فجأة، الأطفال الذين وُلدوا قبل سنوات في إطار هذه العلاقات غير الشرعية أصبحوا في سن التمدرس، ومعهم بدأت رحلة الأمهات مع ملفات التسجيل في المدارس واستخراج الوثائق الرسمية.

بعض الأمهات نجحن في تسوية الوضع القانوني لأطفالهن، خاصة حين قبل الآباء الاعتراف بهم وإلحاقهم بالسجلات المدنية. لكن فئة كبيرة منهن وجدت نفسها أمام جدار من العراقيل، بين أب متخلٍ أو مجهول، وإجراءات إدارية معقدة، ورفض اجتماعي يجعل الحياة اليومية أكثر قسوة. وفي مجتمع صغير مثل بني انصار، حيث يعرف الجميع بعضهم، يصبح الصمت بالنسبة للكثيرات وسيلة للبقاء، رغم ما يرافقه من شعور بالظلم والوحدة.

الخبراء الاجتماعيون يحذرون من أن استمرار الظاهرة بلا معالجة جدية قد يفرز جيلاً يعيش على هامش المجتمع، يعاني من أزمات هوية وصعوبات اندماج. هؤلاء الأطفال، الذين لم يختاروا ظروف ولادتهم، يواجهون منذ سنواتهم الأولى أسئلة صعبة ونظرات محملة بالأحكام، بينما تغيب عن أمهاتهم أي برامج دعم نفسي أو اجتماعي تساعدهن على مواجهة التحديات.

وفي الوقت الذي يكتفي فيه البعض بالنقاش الخافت، بدأ عدد من الفاعلين الجمعويين في المنطقة بالدعوة إلى فتح حوار صريح ومسؤول حول الظاهرة. هذه الدعوات تركز على ضرورة توفير حماية قانونية واجتماعية للأمهات وأطفالهن، إلى جانب تعزيز التوعية بأهمية التوثيق الشرعي للعلاقات، وتوفير بدائل اقتصادية للنساء لتجنب السقوط في دوامة الهشاشة التي ساهمت في انتشار المشكلة.

ما بين الخوف من الوصم والحاجة إلى الاعتراف، تقف الأمهات العازبات في الريف في منطقة رمادية، حيث قصصهن تتناقل همساً، بينما الواقع يفرض أن تتحول هذه الحكايات إلى ملف اجتماعي مفتوح، يُناقش بجرأة وبدون أحكام مسبقة، قبل أن تتسع الهوة بينهن وبين المجتمع أكثر مما هي عليه اليوم.

مقالات ذات صلة

اكثر المقالات قراءة

تابعنا على الفيسبوك