في دهاليز الجماعة الترابية للدريوش، حيث تختلط أوراق الملفات بروتين الانتظار الطويل، يبرز تحدٍّ إداري يُعدّ من بين الأشدّ استعصاءً على الحل: ظاهرة “الموظفين الأشباح”، أولئك الذين تغيب وجوههم عن المكاتب، لكن أسماؤهم لا تزال حاضرة في لوائح الأجور.
الهيكلة الإدارية الجديدة التي أطلقتها جماعة الدريوش، والتي أسفرت عن تعيين الإطار محمد شعو مديراً عاماً للمصالح، أعادت فتح هذا الملف الشائك من زاوية الأمل، لا من باب الشكوى فقط. فالرجل، المعروف بمساره المهني النظيف وتدرجه في مناصب إدارية مختلفة، يبدو أمام اختبار حقيقي: هل يستطيع أن يعيد للوظيفة الجماعية هيبتها؟ وهل سيتمكن من فرض منطق الحضور والعمل مقابل الأجر؟
المواطنون، الذين طالما وقفوا في طوابير طويلة أمام مصالح شبه مشلولة، وعلى رأسها مصلحة تصحيح الإمضاءات، يتابعون هذا التحول الإداري بترقب حذر. يقول أحد المرتفقين بنبرة ممتزجة بين السخرية واليأس: “المشكل ماشي في القوانين، راه كاين اللي ما كايدخلش للمكتب إلا مرة فالأسبوع”.
لكن الإطار شعو لا يتحرك في فراغ. الهيكلة الجديدة رافقتها تغييرات تنظيمية مست جملة من الأقسام، فيما عقد رئيس الجماعة، محمد البوكيلي، لقاءً موسعًا مع الموظفين شدد فيه على ضرورة الالتزام بالمهام، والرفع من جودة الخدمات، وتعزيز ثقافة الانضباط والعمل الجماعي.
وفي خطوة موازية، أعلنت عمالة إقليم الدريوش عن مباراة توظيف إقليمية ستستفيد منها جماعة الدريوش بسبعة مناصب جديدة. خطوة من شأنها تخفيف الضغط عن المصالح الحيوية، لكنها أيضًا تضع تحديًا جديدًا أمام الإدارة: ضمان أن لا يتحول القادمون الجدد إلى أشباح جدد.
الكرة الآن في ملعب الإدارة الجماعية، ومدير المصالح أمام مهمة ليست فقط تقنية أو تنظيمية، بل أخلاقية أيضًا: إعادة الاعتبار لروح الوظيفة العمومية، حيث الحضور واجب، والخدمة مسؤولية، والراتب مقابل العمل لا الغياب.
فهل ستنجح الإدارة الجديدة في محاربة التسيب؟ أم أن “ثقافة الأشباح” ستثبت مرة أخرى أنها أعمق من مجرد غياب موظف عن مكتبه؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة.

