في كل صيف، ومع عودة الآلاف من أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج إلى أرض الوطن، يطفو على السطح جدل قديم جديد: سلوك بعض المهاجرين المغاربة في قيادة السيارات داخل المغرب. مشاهد كثيرة تثير الدهشة، وربما الاستياء، من سائقي سيارات أوروبية الأرقام لا يحترمون إشارات المرور، يركنون مركباتهم في أماكن ممنوعة، أو يقودون بسرعات مفرطة في أزقة ضيقة.
هل يختزل الأمر في غياب الردع داخل المغرب؟ أم أن هناك عوامل أعمق نفسية وثقافية؟ وهل هذا السلوك خاص بالجالية وحدها؟
أسئلة مشروعة تطرحها تعليقات ساخنة على مواقع التواصل الاجتماعي، وبالأخص على فيسبوك، حيث قمنا باستطلاع آراء المواطنين.
شهادات من واقع الجالية المغربية
من أكثر التعليقات تكرارا في هذا النقاش: “في أوروبا، قوانين السير تُطبَّق بصرامة، والمخالفات لا ترحم أحدا، لذلك تجد الجميع يحترم الإشارات، يترك الأولوية، ويتوقف للمارة دون تردد.”
هذا الرأي يعكس إجماعا شبه عام على أن احترام قانون السير في أوروبا لا ينبع من الوعي بالضرورة، بل من الخوف من العقوبة؛ إذ إن “احترام قانون السير في أوروبا ليس بسبب الوعي، بل بسبب الخوف من الغرامات وحذف النقط”، يقول أحدهم.
في المقابل، ما إن تطأ أقدام بعض هؤلاء أرض الوطن حتى ينقلب الأمر رأسا على عقب: “نفس الشخص اللي كتحترم معاه السير في أوروبا، كتلقاه هنا كيسوق بجنون… علاش؟ حيت عارف كاين تسيب، والفلوس كتحل المشكل”.
سلوك الجالية المغربية في قيادة السيارات
تطرح تعليقات أخرى سؤالا أعمق: “هل احترام القانون سلوك داخلي، أم نتيجة لردع خارجي فقط؟”، ومن بين التعليقات اللافتة: “الأخلاق لا وطن لها… هي تُمارَس أينما حلّ الإنسان، أو لا تُمارَس.”
وفي هذا السياق، تتحدث إحدى المتابعات قائلة: “طريقة السياقة، طريقة الأكل، التفاعل، الجلوس، أسلوب الكلام… كلها أعراض لاضطرابات نفسية لم تُعالَج.”
ما نراه إذا لا يرتبط فقط بقانون السير، بل بسلوك عام قد يرتبط بالهوية، بالانفصام بين واقعين مختلفين: واقع صارم في المهجر يُخضع السلوك لقوانين قوية، وواقع مرن في الوطن يُتيح التنفيس عن مكبوتات تراكمت على مدار العام.
من المظاهر التي أثارت سخرية وغضب رواد الفيسبوك، ما أشار إليه أحدهم قائلا: “أكثر حاجة كتعصبني هو منين كيرميو شي حاجة من السيارة، واش هاكا كيديرو لهيه؟”.
ويضيف آخر: “ملي كيوقف السيارة في وسط الطريق وكيقولك راني درت السينيال! واش السينيال كيعني حق احتلال الشارع؟”.
تتكرر أيضا تعليقات حول فئة من العائدين تظن أن السيارة الفاخرة تمنحهم امتيازا اجتماعيا: “قسم يأتي بسيارات يظن بأنها فاخرة فيأتيه إحساس داخلي بأن الآخرين لا يضاهونه في المرتبة، فيفعل ما يشاء”.
وهو ما يؤكده معلق آخر: “كيتكمش ف أوروبا، حيت كيعرف القانون كاين، أما فالمغرب، كيعرف الرشوة كتحل، فكيخرج المكبوتات الحيوانية ديالو.”*
التعليقات تذهب أبعد من مجرد انتقاد سلوك فردي، لتصفه بظاهرة نفسية: “لا يستطيعون ضبط أنفسهم، فيحاولون أن ينفّسوا عن وحشية رغباتهم الداخلية بقدر المستطاع في هذه الأيام المعدودة، وللأسف على حساب المخاطرة بحياتهم وحياة ذويهم”.
وتتكرر هذه النبرة في تعليق ساخر – لكنه دقيق – من أحد المواطنين: “كايصعد للباخرة وكايخلي معاه احترام القانون. كيوصل للمغرب، كيسوق كيف بغا، حيت عارف أن المال غادي يخرجّو من أي مأزق”.
من جهة أخرى، هناك من يخفف من حدة الاتهام، مشيرا إلى أن أوروبا نفسها تعرف سلوكيات مماثلة: “بصراحة، حتى ف أوروبا كاينين اللي ما كيحترموش قانون السير”. وهذا يُحيلنا إلى أن السلوك السيئ لا يخص جنسية معينة، بل يتعلق بمدى وجود قانون قوي وتطبيق فعلي له.
سلوك بعض الجالية المغربية في قيادة السيارات داخل المغرب يعكس أزمة مركبة: غياب الردع، ضعف التربية على احترام القانون، وشعور بالتفوق أو التملك يطفو عند ملامسة أرض الوطن.
لكن هذا الوطن ليس حقل تجارب ولا ساحة للتنفيس، بل بيت كبير يحتاج من جميع أبنائه نفس مستوى الالتزام الذي يُظهرونه في بلدان الإقامة. فالقانون لا ينبغي أن يُحترم بالخوف، بل بالقناعة.
ومن يقود هنا وكأنه فوق القانون، فقد خان المكان الذي ينتمي إليه أكثر من أي مكان آخر.

