شباب إقليم الدريوش ومرافقة الجالية.. موسم صيفي ينتهي بالبطالة

مع حلول فصل الصيف، تشهد مناطق مثل إقليم الدريوش توافدا كبيرا لأفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، الذين يفضلون قضاء عطلتهم السنوية بين أحضان الوطن، سواء لأغراض عائلية أو لإنجاز معاملات إدارية أو القيام بإصلاحات عقارية.

هذه العودة التي تحمل معها مظاهر الفرح والارتباط بالوطن، تخفي في طياتها ظاهرة اجتماعية مقلقة يعاني منها الكثير من شباب الإقليم؛ إذ يضطر عدد كبير منهم إلى ترك أعمالهم المؤقتة من أجل مرافقة أقاربهم من الجالية، بناء على طلب مباشر أو تحت ضغط عائلي، ليجدوا أنفسهم بعد انتهاء الصيف في مواجهة البطالة دون أي تعويض أو تقدير.

شباب الدريوش تحت الضغط

في كثير من الحالات، يُطلب من الشاب الذي يقطن في إقليم الدريوش أن يلازم أفراد الجالية خلال فترة إقامتهم في المغرب. هذا الدور يشمل عدة مهام مثل التنقل معهم في رحلاتهم داخل البلاد، مرافقتهم إلى الإدارات العمومية من أجل استخراج وثائق، بداعي أنهم لا يعرفون العربية أو “قوالب” الإنسان المغربي، أو الإشراف على أشغال الإصلاح داخل منازلهم. وقد يكون الهدف في بعض الأحيان مجرد الرفقة الاجتماعية، لكن ذلك يتطلب تفرغا تاما وتضحية بالوقت والجهد.

رغم هذا التفرغ، لا يحصل هؤلاء الشباب غالبا على مقابل مادي، ولا حتى على ما يسد حاجاتهم اليومية من مصاريف شخصية، مما يخلق حالة من الغبن والشعور بالاستغلال. والأسوأ من ذلك أن الكثير منهم يترك عمله الموسمي أو المؤقت الذي كان يؤمن له حدا أدنى من الدخل، فقط من أجل تلبية هذا “الواجب العائلي”، ليكتشف في نهاية الصيف أنه خسر مصدر رزقه دون أن يربح شيئا مقابل ما قدمه.

بعد انتهاء العطلة الصيفية، يعود المغتربون إلى ديارهم في أوروبا، بينما يعود الشاب الذي رافقهم إلى واقع أكثر صعوبة. يجد نفسه بدون عمل، وأحيانا بدون أي دعم مادي يساعده على تجاوز فترة الفراغ التي يمر بها. وكونه ترك وظيفته السابقة بإرادته، وإن كانت بدافع اجتماعي أو عائلي، فإن فرصة استرجاعها تكون ضئيلة. هذا الواقع يفتح الباب أمام موجة من الإحباط النفسي والشعور بعدم التقدير.

الأسباب التي تدفع هؤلاء الشباب إلى قبول هذه الأدوار تتنوع، ولكنها غالبا ما تكون مرتبطة بعوامل اجتماعية. أولها الضغط العائلي؛ إذ يشعر الشاب أحيانا أنه من غير اللائق أن يرفض طلب أحد أفراد عائلته القادمين من الخارج، خاصة إذا كان هذا القريب يقيم في أوروبا وله مكانة خاصة ضمن العائلة.

كما أن هناك نوعا من التصور السائد بأن “ابن الجالية” يستحق معاملة خاصة وخدمات استثنائية، دون أن يقابل ذلك بتقدير حقيقي.

من جهة أخرى، قد يقع بعض الشباب في وهم الحصول على مكاسب مستقبلية، أو توقعات بالحصول على هدايا أو مبالغ مالية، وهي أمور نادرا ما تتحقق.

شهادات من الدريوش

عدد من الشهادات القادمة من الدريوش تؤكد هذا الواقع. أحد الشباب المنحدرين من مدينة الدريوش، يقول إنه كان يعمل في محل لبيع الهواتف المحمولة، ولكن حين طلب منه خاله القادم من بلجيكا مرافقته إلى طنجة لإنهاء بعض الإجراءات، وافق على الفور، على أمل أن يكون ذلك لفترة قصيرة. غير أنه فوجئ بعد عودته بأن صاحب المحل أعطى منصبه لشخص آخر.

في شهادة أخرى، يحكي شاب من بن الطيب عن تجربة مماثلة، إذ رافق أحد أبناء عمومته طيلة شهرين كاملين، قام خلالها بقيادة السيارة، وقضاء الفواتير، ومرافقة العائلة في التنقلات، دون أن يتلقى حتى مصروفا يوميا. وحين طلب بعض المال، قيل له “أنت في بلادك ولا تحتاج شيئا”.

هذه التجارب المتكررة تعكس مشكلة أعمق، ترتبط أولا بغياب ثقافة التقدير المتبادل، وثانيا بتهميش وضعية الشاب الذي يضحي بعمله من أجل المرافقة، دون أن يُنظر إليه كشخص له التزامات وتكاليف. فالتعامل مع الشاب كمجرد فرد “مرافق ومتوفر دائما”، يؤدي إلى نتائج وخيمة، سواء على المستوى النفسي أو الاقتصادي.

وتكمن الخطورة في أن هذه الظاهرة تساهم في تعزيز البطالة بشكل غير مباشر، كما قد تدفع بعض الشباب إلى التفكير في الهجرة بحثا عن فرص أفضل، أو ببساطة للهروب من واقع يشعر فيه بالإقصاء داخل منطقته.

من أجل الحد من هذه الظاهرة، يبرز دور الوعي الأسري والتفاهم العائلي. يجب على أفراد الجالية أن يدركوا أن مرافقة الشاب لهم ليست أمرا مجانيا أو مفروغا منه، بل تستلزم الاعتراف بالجهد المبذول، سواء من خلال مقابل مادي بسيط أو على الأقل تغطية التكاليف اليومية. كما ينبغي أن يتم التنسيق مسبقا مع الشاب حول إمكانية تغيبه عن عمله، أو على الأقل ضمان عدم الإضرار بمستقبله المهني.

على المستوى المحلي، يمكن للسلطات والجمعيات المهتمة بالشباب أن تلعب دورا في التوعية، وتنظيم حملات تشجع على احترام حقوق الشغل، ولو في إطار غير رسمي، خاصة في المناطق التي تعرف توافدا كبيرا للجالية خلال الصيف بإقليم الدريوش. كما أن الشاب نفسه مطالب بأن يكون أكثر وعيا بحقوقه، وأن لا يقبل أي دور يضر بمستقبله، حتى لو جاء من أحد أفراد عائلته.

مقالات ذات صلة

اكثر المقالات قراءة

تابعنا على الفيسبوك