في قلب دوار اسعيذا التابع لجماعة بودينار بتمسمان، يعيش السكان وضعا صحيا مأساويا يُجسّد واحدة من أكثر المفارقات غرابة في مشاريع التنمية المحلية. فبعد سنوات من الانتظار، والأمل، والمطالبات، والتضحيات، شُيّد مستوصف صحي بمجهود جماعي ودُشّن في حفل رسمي، لكنه بقي مغلقا حتى اليوم… كأن لا أحد مرّ من هنا.
لسنوات طويلة، كان مطلب الساكنة بسيطا: مستوصف صحي قريب يجنّبهم عناء التنقل لمسافات طويلة إلى المراكز الصحية في تمسمان أو الدريوش أو حتى الحسيمة.
وسط تجاهل الجهات المعنية، تحرك السكان بأنفسهم، وتمكّنوا من توفير قطعة أرضية مخصصة لإنشاء المستوصف، رغم العقبات الإدارية والمالية والاجتماعية التي اعترضت طريقهم.
وبعد جهود شاقة، انطلقت الأشغال، وتم بناء المستوصف وتجهيزه خارجيا، إلى أن جاء يوم التدشين، حيث حل عامل الإقليم في زيارة رسمية احتفالية، ظن معها السكان أن كابوس المعاناة الصحية قد انتهى.
لكن، سرعان ما تبخرت الآمال، وارتطم الواقع بجدار البيروقراطية.
لم تُعيّن أي أطقم طبية أو إدارية لتشغيل المستوصف، وظلّ المبنى مغلقا كأن دوره اقتصر على التقاط الصور في يوم التدشين.
ورغم إلحاح السكان، لم تتحرك أي جهة لتفسير هذا الصمت، مما جعل المستوصف يتحوّل إلى رمز صريح للتهميش وسوء تدبير المشاريع العمومية في المناطق القروية.
إضافة إلى المعاناة الصحية، واجه سكان دوار اسعيذا تحديا آخر: غياب طريق مؤدية إلى المستوصف.
من جديد، تحركت الساكنة بجهود ذاتية، وتم فتح مسلك طرقي يربط المرفق بالمركز، لكن، المفارقة أن الطريق تؤدي إلى بناية مغلقة، لا حياة فيها، وكأنها “طريق إلى لا شيء”.
جدران المستوصف اليوم تروي حكاية خيبة جماعية. شباب القرية وكبار السن ونساءها، جميعهم يمرّون قرب المبنى، لكن لا أحد يجرؤ على الدخول… فالأبواب مغلقة، والنوافذ شاهدة على سنوات من الإهمال واللامبالاة.

