قصة معاناة.. هاجر في سن الثلاثين إلى إسبانيا فأصبح محاميا

الدكتور ادريس جدي: محام بهيئة مدريد

في سنة ٢٠٠١، تقدّمتُ بطلب رسمي إلى وزارة التربية الوطنية الإسبانية من أجل معادلة شهادة الإجازة في الحقوق التي حصلتُ عليها من جامعة فاس. أعددتُ الملف بعناية، وأرفقته بكل الوثائق المطلوبة: نسخًا مصادقًا عليها من الشهادات، وكشوف النقط، وبرنامج الدراسة مفصلًا ومترجمًا بعناية إلى اللغة الإسبانية. أودعتُ الملف بمقر الوزارة في مدريد وأنا أحمل في داخلي أملًا كبيرًا بأن يُعترف بمجهودي الدراسي، وأن تُفتح أمامي أبواب الاندماج المهني.

مرّ عامٌ كامل من الانتظار القلق، قبل أن أتلقّى القرار الرسمي من الوزارة، وكان القرار صادمًا: لم يُعترف لي بأيٍّ من المواد التي درستها في المغرب. وأُبلغت بوجوب اجتياز أحد عشر مادة قانونية من جديد، وهي: القانون الإداري، المدني، الدستوري، الجنائي، الدولي العام، الدولي الخاص، المالي، قانون الشغل والضمان الاجتماعي، الإجراءات المدنية، الإجراءات الجنائية، وقانون الضرائب.

كانت هذه المواد مألوفة لي من حيث المضمون، فقد درستها وأتقنتها، لكن التحدي كان في ضرورة دراستها من جديد بلغة لم أتلقَّ بها تعليمي الجامعي. شعرتُ حينها وكأن صفعة قوية سقطت على وجهي، لكنني لم أسمح لليأس بالتسلّل إلى داخلي. كان أمامي خياران لا ثالث لهما: إما اجتياز امتحانات المعادلة الجامعية الخاصة بالأجانب مجانًا، وهي طريق طويلة وشاقة، أو التسجيل في ماستر خاص مقابل رسوم مالية مرتفعة تختلف من جامعة إلى أخرى.

اخترتُ الطريق الأصعب والأكثر مشقة: اجتياز الامتحانات الجامعية الحرة. بدأتُ رحلة طويلة بين الجامعات في مدريد، أبحث عن المواعيد، أسجل، أدرس، أراجع، أترجم، وأسهر الليالي الطويلة. امتدت هذه الرحلة لأربع سنوات، انقطعتُ خلالها عن العمل المنتظم، وتراكمت عليّ تكاليف المعيشة والقرض العقاري. اضطررتُ إلى تأجير غرفة من شقتي لتغطية جزء من المصاريف

ورغم كل هذه الضغوط، لم أتراجع عن حلمي. كنت أقاوم في صمت، لا أبالي بالسخرية أو التثبيط من بعض من حولي. كنت أرى في كل صفحة أقرؤها خطوة إضافية نحو الاعتراف بجهدي ونحو كرامتي المهنية. كانت زوجتي خير سند لي في تلك المرحلة؛ صامدة بجانبي، مكتفية بالأساسيات، وحوّلت بيتنا إلى فضاء هادئ يتيح لي التركيز الكامل على الدراسة.

كما استفدت من دعم الدولة الإسبانية عبر منحة البطالة المؤدى عنها التي دامت سنتين، وهو ما ساعدني على بعض الاستقرار المالي. بعدها عملتُ بشكل متقطع، محاولًا التوفيق بين التحضير للامتحانات، ومتطلبات الحياة اليومية، والالتزامات الأسرية.

وبعد جهدٍ طويلٍ ومثابرةٍ لا تُنسى، نجحت في اجتياز جميع المواد المطلوبة، وحصلت على شهادة رسمية تؤكد ذلك. وبمجرّد تقديمها إلى الوزارة، صدر القرار الذي طالما انتظرته: الاعتراف الرسمي بمعادلة شهادة الإجازة التي حصلت عليها من المغرب، كما لو أنني خريجٌ من إحدى الجامعات الإسبانية.

لكن طموحي لم يتوقف عند هذا الحد. التحقتُ مباشرة بماستر متخصص في التطبيقات القانونية، دام عامًا كاملاً، تلقيت خلاله تكوينًا نظريًا وتطبيقيًا بمجموع 640 ساعة، شملت جلسات محاكمة افتراضية وتداريب ميدانية داخل مؤسسات قانونية. هذا التكوين منحني الأدوات العملية لممارسة المهنة بلغتي الثانية، ومنحني قبل ذلك ثقة أكبر بنفسي وبقدرتي على إثبات ذاتي في بلد جديد.

وبعد استكمال الماستر، تقدّمت بطلب رسمي للانخراط في هيئة المحامين بمدريد، مرفقًا بالوثائق المطلوبة: شهادة الإجازة المعادلة، شهادة الماستر، شهادة حسن السيرة وعدم السوابق العدلية، شهادة الإعفاء من شرط الجنسية الإسبانية صادرة عن وزارة العدل، نسخة من بطاقة الإقامة، وصل أداء رسوم الانخراط (٩٦٠ يورو آنذاك، خُفّض لاحقًا إلى ٤٦٠ يورو).

ورغم تعقيد الإجراءات وطولها، استوفيت جميع الشروط القانونية المطلوبة، وحصلت رسميًا على صفة “محامٍ ممارس” مسجل في جدول المحامين بهيئة مدريد سنة ٢٠٠٧. كانت تلك اللحظة بالنسبة لي محطة مفصلية في حياتي، لا كمهاجر يبحث عن الاستقرار فقط، بل كفاعل قانوني كامل الحقوق والصلاحيات، قادر على الدفاع عن موكليه بمرجعية قانونية مزدوجة.

ورغم أن القانون الإسباني تغيّر بعد سنة ٢٠١٦، فارضًا شروطًا جديدة لمزاولة مهنة المحاماة، فإنني كنت قد سبقتُ الجميع بخطوات. فتحتُ الأبواب التي بدت يومًا موصدة بعزيمتي، وأثبتُّ لنفسي قبل غيري أن الهجرة لا تعني الذوبان، بل يمكن أن تكون جسرًا لإعادة كتابة المصير.

وإلى اليوم، ما زلت أحتفظ بنسخة من القرار الوزاري الإسباني الذي يحدد المواد الإحدى عشرة التي كان عليّ اجتيازها. تلك الوثيقة لم تكن مجرد ورقة، بل كانت المفتاح الذي فتح لي أبواب المهنة، وجعلني أعبر من مرحلة الحلم إلى مرحلة التحقيق. لقد كانت سنوات المعادلة واحدة من أقسى وأجمل مراحل حياتي، لأنها كشفت لي عن حجم طاقتي الحقيقية، وأكدت لي أن الإرادة الصادقة لا تعرف المستحيل.

مقالات ذات صلة

اكثر المقالات قراءة

تابعنا على الفيسبوك