سنسمع بمشروع مانساسو كثيرا. منذ عقود، ظلت قضية الصحراء المغربية واحدة من أكثر النزاعات تعقيدا في القارة الإفريقية، مع جبهات متعددة ومصالح إقليمية ودولية متشابكة. لكن عام 2025 يحمل في طياته نقطة تحول تاريخية، قد تعيد رسم خريطة النزاع الذي طال أمده، عبر انخراط دول كبرى – مثل الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة – في دفع مشروع جديد يحمل اسم “مانساسو”، ويطرح حلا واقعيا قائما على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ويضع حدا لخيار الاستفتاء الذي طال انتظاره بلا جدوى.
من المينورسو إلى مشروع مانساسو.. نهاية الاستفتاء في الصحراء
لم يكن اختيار بعثة المينورسو (بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية) في 1991 إلا محاولة لاحتواء النزاع عبر تنظيم استفتاء لتقرير المصير. لكن على مدى أكثر من ثلاثة عقود، ظل هذا الخيار مجرد شعار على الورق، بسبب خلافات حادة بين الأطراف حول قوائم الناخبين والهوية، مما جعل الاستفتاء مستحيلا من الناحية العملية.
اليوم، يعلن مشروع مانساسو نهاية هذه المرحلة، ويقترح تحويلا جذريا لمهام الأمم المتحدة في المنطقة: بدلا من التركيز على مراقبة وقف إطلاق النار والتحضير لاستفتاء بعيد المنال، يتم تحويل التفويض إلى بعثة تُرافق تنفيذ خطة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهو تحول يحمل معه اعترافا دوليا بواقعية الحل المغربي ويقضي عمليا على الأحلام الانفصالية.
جولة مسعد بولوس.. رسالة إلى الجزائر
في أواخر يوليوز، أطلقت جولة مسعد بولوس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، شرارة هذا التوجه الجديد. تميزت الجولة بزيارات محورية:
- لقاء مع وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو في باريس، حيث تم التنسيق على مخرجات الصفقة الجديدة.
- زيارة مباشرة إلى الجزائر، بدون المرور بالرباط، في رسالة رمزية واضحة بأن الجزائر هي الطرف الرئيسي في النزاع.
في اللقاء مع المسؤولين الجزائريين، دعا بولوس صراحة إلى قبول “حل مشرف” مبني على الحكم الذاتي المغربي بدل الاستفتاء. ومن هنا، تنبع استراتيجية الضغط الأمريكي التي ترافقها فرنسا ويدعمها المغرب، على أمل دفع الجزائر إلى القبول بمسار الحل الواقعي.
الدعم الأمريكي الرسمي لمغربية الصحراء
لم يكن هذا الدعم الأمريكي وليد اللحظة، بل جاء تتويجا لسلسلة تحركات دبلوماسية وسياسية طويلة. ففي أبريل 2025، جدد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو اعتراف بلاده بمغربية الصحراء، ودعا إلى استئناف المفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة.
وفي مجلس الشيوخ الأمريكي، أكد السفير ريتشارد دوك بوشان في الرباط أن الحكم الذاتي المغربي هو الخيار الجدي الوحيد.
الأهم من ذلك، هو رسالة رسمية من الرئيس ترامب إلى الملك محمد السادس في عيد العرش، أعلن فيها تجديد دعم الولايات المتحدة الصريح لخطة الحكم الذاتي المغربية، ورفضها القاطع لخيار الاستفتاء.
هذا الدعم يعكس تحولا استراتيجيا في السياسة الأمريكية تجاه النزاع، ويمنح المغرب قوة دبلوماسية غير مسبوقة على الساحة الدولية.
إعادة صياغة مهمة بعثة الأمم المتحدة في الصحراء
في إطار تحريك الملف ميدانيا، زار وفد أمريكي مكون من دبلوماسيين وعسكريين مدينة العيون، حيث التقى برئيس بعثة المينورسو ألكسندر إيفانكو. النقاش تناول ضرورة تقليص البعثة الأممية، خصوصا في الجانب المدني والسياسي، مع إبقاء قوات حفظ السلام لمراقبة وقف إطلاق النار فقط.
هذه الخطوة تؤكد توجها عمليا نحو إعادة تصميم مهمة الأمم المتحدة وفق المشروع الجديد، والتخلي عن الاستفتاء والمهام القديمة التي ثبت عدم جدواها.
مشروع مانساسو.. رؤية مغربية
خلف هذا التحول توجد فكرة ذكية ومبتكرة طرحها الدبلوماسي المغربي السابق محمد لوليشكي في تقرير لمركز السياسات من أجل الجنوب الجديد (PCNS) يقترح المشروع بعثة أممية جديدة مكرسة حصريا لمرافقة تنفيذ الحكم الذاتي في الصحراء، متجاهلة بشكل نهائي فكرة الاستفتاء التي عفا عليها الزمن.
بعبارة أخرى، يعني مشروع مانساسو إعلان وفاة الخيار الذي ظل مُعلَّقا منذ 1991، وفتح الباب أمام مقاربة تتماشى مع الواقع السياسي والميداني الجديد، وتدفع باتجاه:
- سحب الصحراء من قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي في الأمم المتحدة.
- استبعاد جبهة البوليساريو من الاتحاد الإفريقي.
- تعزيز الاعتراف الدولي بسيادة المغرب على كامل أراضيه.
الولايات المتحدة تضغط على الجزائر
تتعامل الولايات المتحدة مع الملف الجزائري عبر استراتيجية مزدوجة:
- العصا: تروج لفكرة تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية، مما يهدد شرعيتها ويضع الجزائر في موقف دولي حرج. مشاريع قوانين بهذا الاتجاه تُناقش في الكونغرس، يقودها نواب مثل جو ويلسون وجيمي بانيتا.
- الجزرة: تقدم وعودا باستثمارات ضخمة في قطاعات الطاقة والمعادن بالجزائر، مع دخول شركات أمريكية كبرى، ما يفتح الباب أمام تعاون اقتصادي مقابل التنازل عن دعم ملف البوليساريو.
هذا التوازن بين التهديد والمكافأة يمثل ذراعا قوية لضغط أمريكي مباشر على الجزائر.
فرنسا والمغرب وقضية الصحراء
تلعب فرنسا دور الوسيط الاستراتيجي بين واشنطن والرباط، بفضل علاقاتها التاريخية وقربها من الملفات الإفريقية. من المتوقع أن يقوم وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بزيارة إلى باريس في الفترة المقبلة لتثبيت نص تسوية تم الاتفاق عليه بين الملك محمد السادس والرئيس ماكرون خلال قمة 2024 بالرباط.
تعاون باريس والرباط يعزز فرص تمرير مشروع مانساسو، ويرسم خطوط حل وسط سياسي معقّد لكنه عملي.
الجزائر والبوليساريو والصحراء المغربية
رغم كل الضغوط، تواصل الجزائر وجبهة البوليساريو تمسكهما بخيار الاستفتاء الذي صار شبه مستحيل على أرض الواقع. في 20 غشت 2025، جدد إبراهيم غالي، زعيم البوليساريو، تمسكه بأن الاستفتاء هو “الإطار الشرعي الوحيد لتصفية الاستعمار”، مبرزا مقترحات لتوسيع تفويض المينورسو ليشمل مراقبة حقوق الإنسان.
هذا التمسك يعكس عجز النظام العسكري الجزائري عن التكيف مع التغيرات الدولية، وإصراره على معركة خاسرة تستنزف موارد البلاد دون تحقيق أي مكاسب.
دورة مجلس الأمن في أكتوبر 2025
اللحظة الحاسمة ستأتي مع جلسة مجلس الأمن المقررة في أكتوبر 2025، حيث ستطرح واشنطن مشروع قرار يدعو إلى إطلاق بعثة مانساسو. فرنسا تقف إلى جانب هذا التوجه بقوة، في حين يركز المغرب جهودها على إقناع أعضاء غير دائمين في المجلس مثل سلوفينيا، كوريا الجنوبية، باكستان، سيراليون، الدنمارك، اليونان، غويانا، بنما، والصومال.
أمام مجلس الأمن خياران:
- تجديد تفويض بعثة المينورسو بشكل روتيني، مما يعني استمرار الوضع الراهن بلا حل.
- اعتماد إصلاح جوهري عبر إطلاق بعثة مانساسو، كخطوة تاريخية نحو إنهاء النزاع.
يتطلب تمرير القرار 9 أصوات إيجابية على الأقل وتجنب استخدام حق الفيتو. الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا تؤيد المغرب، بينما يأمل المغرب في امتناع روسيا والصين عن التصويت، ما سيسهل تمرير القرار.
فرصة تاريخية لإنهاء نزاع الصحراء المغربية
منذ تقديم خطة الحكم الذاتي عام 2007، كانت الأمم المتحدة تصف هذا الحل بأنه “جدي وواقعي”، لكن مع عدم التخلي رسميا عن خيار الاستفتاء. الآن، في 2025، تتحول هذه السياسة إلى دفن هذا الخيار بشكل نهائي، مع تحالف دولي واضح حول دعم الحل المغربي.
يمتلك المغرب اليوم فرصة ذهبية يجب استثمارها بذكاء عبر:
- تعزيز دبلوماسيته الهجومية لكسب مزيد من التأييد الدولي.
- مواصلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للأقاليم الجنوبية لتعزيز مكانتها.
- فضح عقم الموقف الجزائري لدى الرأي العام الدولي.
إنها لحظة فاصلة لإغلاق الملف نهائيا وترسيخ مغربية الصحراء كحقيقة تاريخية وقانونية، لا مجال للجدل فيها.
مشروع مانساسو هو أكثر من مجرد بعثة أممية جديدة. إنه تجسيد لإرادة دولية حقيقية لتسوية نزاع استنزف المنطقة، وأداة لتجاوز معضلة الاستفتاء التي باءت بالفشل. بفضل دعم أمريكا وفرنسا وبريطانيا، وبمواجهة عناد الجزائر والبوليساريو، يسير المغرب اليوم نحو انتصار دبلوماسي سيكتب تاريخ المنطقة.
هذه لحظة لا تعوض، ويتوجب على المغرب استغلالها بحنكة وإصرار، لتحويل دعم القوى الكبرى إلى قرار أممي حاسم يضع حدا لنزاع دام 50 عاما ويؤسس لحقبة جديدة من الأمن والاستقرار في الصحراء المغربية.

