منسيّون خلف الأسوار الصامتة في الدريوش… ماذا لو كان طفلك في مكانهم؟

في زوايا مدينة الدريوش الهادئة، تختبئ معاناة ثقيلة لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تنهش يوميات مئات الأسر بصمتٍ قاسٍ. إنها حكاية أطفال التوحد في المدينة، الذين يواجهون واقعا مؤلما عنوانه “الإقصاء”، وسط غياب تام لمراكز متخصصة يمكن أن تمنحهم الحد الأدنى من الرعاية والتأطير النفسي والتربوي. أما أولياء أمورهم، فصاروا على مرّ السنوات صوتا يصرخ في الفراغ، باحثين عن بصيص أمل أو تدخل فعلي يُنهي هذا الإهمال الطويل.

رغم تنامي الوعي المجتمعي بضرورة إدماج ذوي التوحد في الحياة التعليمية والاجتماعية، لا تزال مدينة الدريوش تفتقر إلى أي مؤسسة عمومية أو خاصة تُعنى بهذه الفئة الهشة. أمام هذا الفراغ المؤلم، تُضطر عشرات الأسر إلى التنقل بشكل شبه يومي إلى جماعة تفرسيت، التي تبعد حوالي 10 كيلومترات عن وسط المدينة، حيث توجد جمعية مدنية تحاول—بإمكانيات متواضعة—تقديم بعض الخدمات التربوية والعلاجية.

لكن الطريق إلى تفرسيت ليس مجرد مسافة تقطعها العائلات؛ بل عبء نفسي ومالي مضاعف، لا يقدر عليه كثيرون، خاصة الأسر ذات الدخل المحدود أو المنعدم، وهو ما يجعل بعض الأطفال محرومين تماما من أي رعاية متخصصة.

ومع كل موسم دراسي جديد، تتجدد مشاعر الإحباط واليأس. فعدد المقاعد المتاحة في الفضاءات الموجودة لا يغطي حتى الحد الأدنى من الطلب المتزايد. الجمعيات المدنية التي تعمل في المجال تُصارع بقلة الموارد وبأطر محدودة، ما يجعل قدرتها على استيعاب جميع الأطفال محدودة جدا، ليجد الكثير من الأطفال أنفسهم، مرة أخرى، خارج المنظومة التربوية، بلا تعليم، بلا مواكبة، بلا أفق. وأسرهم معلّقة بين الحسرة والعجز، وهي تراقب سنوات نمو أبنائها تمرّ دون أن يتمكنوا من تحقيق أبسط الحقوق التي يكفلها لهم القانون: الحق في التربية، في الإدماج، في الكرامة.

ويجمع الآباء والأمهات على أن الاجتهادات الفردية لا تكفي، ولا يمكن أن تكون بديلا عن دور الدولة ومؤسساتها. فهم يرفضون أن يتحول تأهيل الطفل التوحدي إلى عبء شخصي، في وقت يُفترض فيه أن يكون مسؤولية مجتمعية تشارك فيها كافة الجهات المعنية.

اليوم، بات مطلب إنشاء مركز اجتماعي وتربوي متخصص في التوحد داخل مدينة الدريوش مطلبا ملحا، يتجاوز البعد الخدمي ليصل إلى عمق الكرامة الإنسانية. فهذه الفئة من الأطفال تحتاج إلى تأطير نفسي، وبرامج إدماج مدروسة، وعلاجات سلوكية وتربوية مستمرة لا يمكن توفيرها إلا ضمن مؤسسات مهيكلة ومدعومة.

مقالات ذات صلة

اكثر المقالات قراءة

تابعنا على الفيسبوك