وحش سلوان .. القصة التي دوّخت الدرك الملكي وهزّت الناظور لسنوات

يصفه “لاجودان ادريس حجي” بـ “وحش سلوان”. كان اسمه يُهمَس به في الأحاديث، وصورته غائبة عن الجميع. لكنه حاضر بقوة في كل تفاصيل الجرائم: عنف، دماء، سيارات تُسرق وتُهرّب، نساء يُعتدى عليهن، ورجال يُطرحون أرضًا بكدمات وكسور…

في بداية الألفية الثالثة، وبين سنوات 2002 و2003، لم يكن أحد من سكان سلوان والناظور يشعر بالأمان الكامل. سكون الليل كان يُخفي رُعبا لا يُروى، وطرقات كانت تتغيّر معالمها عند الغروب، خوفًا من ظهور رجل واحد… رجل دوّخ الأجهزة الأمنية، وأدخل الرعب في قلوب البسطاء، واستمر في العبث بالقانون لعدة شهور، حسب ما يروي لاجودان ادري الذي عاش هذه اللحظات لحظة بلحظة، وشارك في واحدة من أطول وأخطر عمليات المطاردة التي عرفتها منطقة الريف.

وحش سلوان.. بداية اللغز

في تلك الفترة، بدأ مركز الدرك الملكي في سلوان يتلقى شكايات متوالية: أشخاص تعرّضوا لاعتراض السبيل تحت التهديد بالسلاح الأبيض، ضحايا سُرقت ممتلكاتهم وتم الاعتداء عليهم جسديًا بشكل عنيف، نساء قُطعت عليهن الطرقات، سيارات اختفت دون أثر.

لكن الغريب، كما يروي لاجودان إدريس، أن آثار الجرائم تتشابه بشكل غير عادي. نفس الأسلوب، نفس العنف، نفس الشراسة. رجل يفْصل ضحاياه عن سياراتهم، يأخذ ما خف وزنه وغلا ثمنه، يختفي، ولا يُعرف له عنوان.

يقول لاجودان ادريس بنبرة لا تخلو من التأثر: “الناس كانت كتجي لينا مكسّرة، عندهم الضلوع مهرّسة، واليدين متكسرة، ماشي غير سطو، كان عنف حقيقي”.

وحش سلوان.. رجل بلا ملامح

ورغم تعدد الشكايات، لم يكن هناك أي وصف دقيق للفاعل. لكن من خلال تطابق طرق التنفيذ، بدأت الشكوك تحوم حول شخص بعينه، شاب قوي البنية، رياضي، معروف بسرعته وحذره الشديد. كان يعيش في المنطقة، لكن ظهوره نادر، ومكان إقامته يتحول إلى “شبح” كلما داهمته الشرطة.

يقول لاجودان ادريس: “عمرنا ما شفناه، نمشيو ليه مع السادسة صباحًا، أو مع الفجر، ولكن ديما كيكون سبقنا واختفى”. كان يعرف تحركات الدرك بدقة، وكأنه يملك جهاز رادار، ويختفي كلما اقترب الخطر.

وحش سلوان.. لا يعرف الشفقة

لم يكن “وحش سلوان” مجرد لص بسيط. لقد أسس لنفسه شبكة من الفوضى، وجعل من نقطة الجمارك مكانًا لتصفية الحسابات. كان يستهدف النساء العاملات في التهريب المعيشي، يهاجمهن عند نقطة عبورهن، ويُجبرهن على ترك سلعهن له.

يحكي لاجودان ادريس عن “وحش سلوان”: “ما عندوش لا قانون لا دولة، كان كيحكم بوحدو”، ويضيف واصفًا كيف كان هذا المجرم يُرعب كل من مرّ بجانبه: “البرج الجمركي اللي كان من المفروض يكون تحت سلطة الدولة، ولا بحال البؤرة السوداء، أي واحد كيقرّب كيتعرض ليه”

مطاردات فاشلة لوحش سلوان

أمام هذا الوضع المتأزم، جربت السلطات كل الوسائل: كمائن، مداهمات، رصد إلكتروني بدائي، تحريات ميدانية… لكن كلها باءت بالفشل. كان دائمًا يسبقهم بخطوة. لم يكن يُخطئ. وكان يعيش وكأن له جواسيس أو أنظمة إنذار متقدمة.

كان لاجودان ادريس يبيت الليالي وهو يفكر في الطريقة المثلى للإيقاع به، يقول: “أقسم بالله، كنبات الليالي كاملة ما ناكل ما ننعس، غير كنخطط باش نطيحو”.

لكن نقطة التحول جاءت حين قرر لاجودان ادريس أن يواجهه بالحيلة لا بالقوة.

لاجودان ادريس و وحش سلوان

بعد لقاء عابر بين لاجودان ادريس و وحش سلوان في أحد أزقة سلوان، لم يُبادر باعتقاله. كان يعلم أن لحظة مثل تلك قد تتحول إلى فوضى دموية. لكنه قرر الدخول في حوار هادئ، كأنه يعرفه، يقول لاجودان ادريس: “سلمت عليه، وهضرت معاه بحال إلى صاحبو”.

بدأت العلاقة تتطور، وأصبح التواصل بينهما أسهل، وشيئًا فشيئًا، بدأ المجرم يثق بلاجودان ادريس، الذي يروي بتفصيل شديد: “كنت كنعرف كيفاش نكسب الثقة، وبديت كنخطط كيفاش نطيحو”. لذلك طلب منه لقاء خاص في الليل، بعيدًا عن العيون. وافق وحش سلوان… وكانت لحظة الحسم.

سقوط وحش سلوان

في ليلة مظلمة، وقبل منتصف الليل بقليل، كان لاجودان ادريس مستعدًا أكثر من أي وقت مضى. المكان محدد، الفخ منصوب، والرجال في مواقعهم. اقترب وحش سلوان، دون أن يعلم أن تلك الخطوات الأخيرة ستُغيّر كل شيء.

بهدوء، واحترافية، قبض رجال الدرك على وحش سلوان. يقول لاجودان ادريس إنه لم يتم استعمال ولا رصاصة ولا عنف، ولم يقاوم وحش سلوان، ذلك لأنه تعرض إلى صدمة في غفلة منه، فسقط على الأرض في قبضة الدرك الملكي، وانتهى كابوس استمر لأشهر.

نقل وحش سلوان إلى السجن المحلي في الناظور، وكانت فرحة قائد مركز سلوان لا تُوصف. يقول لاجودان ادريس ضاحكًا: “فرحنا بحال اللي ولدنا رجع”، ثم يضيف بجديّة: “هاد السيد ما كانش فيه الرحمة، كان ممكن يقتل وما يعقلش، كان جرثومة المجتمع”.

ما بعد سقوط وحش سلوان

بمجرد ما أُعلن عن توقيفه، عادت الحياة إلى طبيعتها في سلوان. لا مزيد من الشكايات، لا خوف في الطرقات، لا دماء تُسيل. يصف لاجودان ادريس لحظة ما بعد سقوط وحش سلوان: “نزلت الرحمة، ونزلت الطمأنينة على سلوان”.

مقالات ذات صلة

اكثر المقالات قراءة

تابعنا على الفيسبوك