بعد وفاة زوجها وكل أبنائها.. قصة مدمعة لمغربية عانت التشرد بهولندا

في زاوية معتمة من شوارع هولندا الباردة، جلست سيدة مغربية عاشت مئة عام من الحياة على كتفيها، وذاكرة ثقيلة بخيبات الغربة وألم الفقد. اسمها عايدة بوكيلي، لم تعد تملك شيئًا سوى دعاء خافت، وعينين تذرفان دموعًا ثقيلة كلما سألوها عن بيتها أو أولادها. فهي لم تعد تعرف شيئًا عن معنى البيت… ولا معنى الدفء.

حياتها، التي كانت قبل سنوات مفعمة بالأمل، انهارت فجأة. زوجها رحل عن الدنيا، تلاه أبناؤها الواحد تلو الآخر. وبقيت عايدة وحيدة وسط بلادٍ لا تشبهها، ولا تفهم حتى لغتها. هناك، بين جدران مراكز الإيواء المؤقت، نسيت الحياة أن تطرق بابها.

عايدة لم تكن يومًا مشردة. عاشت في بيت، كانت لها عائلة، طاولة طعام تجمعها بأحبتها، ذكريات متفرقة على جدران بيت بسيط في هولندا. لكن بمرور الوقت، وتوالي الفواجع، أصبحت الحياة أكثر قسوة.

وفاة زوجها وأبنائها لم تترك لها سوى الصمت، ووجوه عابرة تمر بجانبها دون أن تنتبه إلى تجاعيد وجعها. ومنذ أكثر من ثلاث سنوات، أصبحت المسنة المغربية تواجه شتاء الغربة دون سقف، وتستيقظ كل صباح على رصيف جديد.

لولا تدخّل جمعية “الصداقة كوميونيتي” برئاسة أحمد المصري، لما علم أحد بحكاية عايدة. مبادرتهم الإنسانية قلبت المعادلة، بعد أن اكتشفوا وضعها خلال جولاتهم الاستطلاعية في الشارع.

وبتنسيق مع عدد من النشطاء، تحركت الجمعية لطرق أبواب المصالح الهولندية المختصة، مطالبة بفتح تحقيق عاجل في مصير السيدة، ومنحها حقها في الرعاية الاجتماعية التي يُفترض أن تكون حقاً لكل إنسان يعيش فوق التراب الأوروبي.

قال أحمد المصري في تصريح مؤثر: “هذه مأساة حقيقية. عايدة بوكيلي عاشت في هولندا أكثر من خمسين سنة، واليوم نجدها نائمة على الرصيف. كيف يُعقل؟”
وأضاف أن الجمعية طالبت رسميًا بتوفير مأوى دائم وآمن لها، مؤكداً أنهم سيتابعون الملف إلى نهايته.

عندما سُئلت عايدة عن أمنيتها، لم تطلب كثيرًا. فقط بيت صغير… سرير… وربما صورة عائلية على الحائط. أجهشت بالبكاء حين سألها أحدهم: “هل ترغبين في العودة إلى المغرب؟”، فابتسمت بمرارة وقالت:
“أنا لا أريد العودة لأموت… أريد فقط أن أعيش آخر أيامي في مكان دافئ، لا يطردني فيه أحد”.

قصة عايدة ليست مجرد حكاية عابرة لامرأة مسنة في الهامش الأوروبي، بل مرآة لواقع عشرات الحالات التي طحنتها الغربة، وانطفأت فيها الذاكرة والرعاية.
هي تذكير صادم بأن سنوات الخدمة، والإقامة القانونية، والعيش الطويل في دول الاستقبال لا تكفي دائمًا لضمان الكرامة في الشيخوخة.

في أوروبا، كما في كل مكان، لا تزال الإنسانية تنتظر من يُنصت لصوتها، لا من يُراكم الوثائق فقط. وقصة عايدة هي امتحان لصوت الرحمة الذي لا تصنعه القوانين، بل تصنعه القلوب الحية.

الشارع ليس مكانًا لمن عاشت قرنًا من الزمن، وليس نهاية تليق بامرأة لم تطلب من الحياة أكثر من زاوية فيها كرامة.
قضيتها تحولت اليوم إلى رمز لصوت المهمشين، وللحاجة إلى إعادة النظر في نظام الرعاية الاجتماعية، خاصة لكبار السن المنحدرين من أصول مهاجرة.

وقد بدأت دعوات في الجالية المغربية بأوروبا للمساهمة في حل وضعها، عبر تأمين دعم قانوني واجتماعي، وربما التفكير في إعادتها إلى المغرب إذا رغبت بذلك، محاطة بالرعاية.

مقالات ذات صلة

اكثر المقالات قراءة

تابعنا على الفيسبوك